دكتور محمد انور نويلاتي

Dr. Mohammed Anowar Nowilati (دكتور محمد انور نويلاتي) Born in 1955, Jeddah. Married and father of four children and has four grandchildren. Profession: Economic Consultant, Researcher, Lecturer Dr. Nowilati, over 40 years in the fields of economics administration, civil service, training & journalism, which earned him various experiences and he made a significant contribution.

Currently working in the field of economic and financial consulting through the firm (Nowi) for the economic consulting license (11043) spatialized on the restructuring of companies, studies of financing of real estate projects and various administrative and economic consultations.

Books

جدة وأمنا حواء

جدة وأمنا حواء

جدة وعبقرية المكان

غلاف الأوبئة وصراع النفوذ في جدة معتمد

جدة والآخرون

غلاف سيرة ومسيرة

جدة في عيون الماضي والحاضر

بقلم: د. عمرو عبد المنعم

ليست قيمة المؤرخ فيما يجمعه من وثائق فحسب، وإنما فيما يملكه من قدرة على طرح الأسئلة، وربط الوقائع بالماضي والحاضر، واستشراف ما يمكن أن يحمله المستقبل من تحولات.

وهذه السمة تبدو واضحة في أعمال المؤرخ السعودي د. محمد أنور مسلم نويلاتي، الذي انشغل منذ سنوات بتاريخ مدينة جدة وتاريخ الحجاز والعلاقات الدولية في منطقة البحر الأحمر، مقدمًا دراسات تجمع بين الوثيقة التاريخية والتحليل السياسي والاجتماعي الرصين والعميق.

وينتمي نويلاتي إلى مدرسة المؤرخ السوسيولوجي التي لا تكتفي بسرد الأحداث وتوثيقها، وإنما تبحث في أسبابها ونتائجها، وتدرس علاقتها بالبنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتربطها بالواقع الحاضر وتحديات المستقبل.

 

اقرأ أيضا| د /عمرو عبد المنعم يكتب : هذه هي مصر.. أصالة التراث وتجديد الرسالة

 

ويستند في ذلك إلى الوثائق الرسمية والمراجع العربية والأجنبية والدوريات والرسائل العلمية والأرشيفات المحلية والعالمية، وهو ما منح كتاباته قيمة علمية جعلتها محل اهتمام الباحثين والدارسين لتاريخ الجزيرة العربية والحجاز والبحر الأحمر.

ويأتي كتابه «الأوبئة وصراع النفوذ في جدة.. حكاية المرض والسياسة» ليؤكد هذا النهج البحثي، إذ لا يتعامل مع الأوبئة باعتبارها أحداثًا صحية عابرة، أو مجرد كوارث طبيعية ضربت مدينة جدة في فترات مختلفة، وإنما يقرأها في إطار أوسع، باعتبارها جزءًا من تاريخ السياسة الدولية والتنافس على النفوذ في البحر الأحمر والحجاز، وما ارتبط بذلك من محاولات للتدخل في شؤون المنطقة وتدويل قضايا الحج تحت عناوين مختلفة، كان من أبرزها حماية الصحة العامة وتنظيم حركة الحجاج.

التاريخ الصحي 

منذ الصفحات الأولى للكتاب، يلفت المؤلف انتباه القارئ إلى حقيقة مهمة، وهي أن الأوبئة لم تكن مجرد كوارث صحية تنتهي بانتهاء المرض، وإنما كان لها في كثير من الأحيان تأثيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية واسعة، بل تحولت في بعض السياقات التاريخية إلى مدخل لإعادة تشكيل النفوذ وموازين القوى.

ويرى المؤلف أن جدة، بحكم موقعها الاستراتيجي ومينائها الذي استقبل الحجاج والتجار من مختلف أنحاء العالم، كانت نقطة التقاء بين شعوب وثقافات ومصالح دولية متعددة.

ولذلك لم تكن الأوبئة التي أصابتها قضية محلية خالصة، وإنما تحولت في بعض مراحل التاريخ إلى قضية دولية تجاوزت حدود الطب والصحة العامة.

ومن هنا ينتقل نويلاتي من التاريخ الطبي إلى التاريخ السياسي والاجتماعي، فيربط بين انتشار أمراض مثل الكوليرا والطاعون والجدري، وبين التدخلات الأجنبية في شؤون الحجاز، والتنافس الأوروبي على طرق التجارة، والسعي إلى تأمين الملاحة في البحر الأحمر، فضلًا عن المصالح المرتبطة بحركة الحج والتجارة الدولية.

وهذه المقاربة تمنح التاريخ الصحي أبعادًا تتجاوز الجانب الطبي، إذ يصبح المرض نفسه جزءًا من دراسة المجتمع وعلاقاته الداخلية والخارجية، ويصبح التعامل مع الوباء مرآة يمكن من خلالها قراءة طبيعة السلطة والمصالح الدولية وحركة التجارة والسكان والحجاج.

جدة في قلب العالم

تكمن إحدى أهم مزايا الكتاب في أنه يعيد رسم صورة جدة باعتبارها مدينة عالمية، لم تكن مجرد ميناء محلي، وإنما شكلت عبر تاريخها عقدة استراتيجية تربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وممرًا مهمًا لحركة التجارة والحجاج بين مناطق العالم الإسلامي.

وقد أسهم هذا الموقع في ازدهار جدة التجاري والحضاري، لكنه جعلها في الوقت نفسه محط أنظار القوى الدولية التي كانت تتنافس على طرق التجارة والنفوذ والمواقع الاستراتيجية في البحر الأحمر.

وفي هذا السياق، يطرح المؤلف رؤية نقدية بشأن توظيف بعض الخطابات الصحية في القرن التاسع عشر ضمن حسابات سياسية أوسع، مشيرًا إلى أن الدعوات المتعلقة بمكافحة الأوبئة وتنظيم الحج لم تكن دائمًا منفصلة عن الصراع على النفوذ والمصالح الدولية.

ولا يتوقف الكتاب عند مجرد طرح هذه الفكرة، وإنما يحاول إسنادها بالوثائق والمصادر، وربط الأحداث بسياقها التاريخي والسياسي، وهو ما يجعل القارئ أمام قراءة متعددة المستويات لتاريخ جدة، تتداخل فيها الصحة العامة مع السياسة والاقتصاد والدين والعلاقات الدولية.

وتزداد أهمية هذه المقاربة عندما نتذكر أن جدة كانت ولا تزال بوابة رئيسية للحرمين الشريفين، ومقصدًا لملايين المسلمين القادمين من مختلف أنحاء العالم.

ولذلك فإن تاريخها لا يمكن فصله عن تاريخ الحج، ولا عن حركة المسلمين والتجار والعلماء والثقافات التي عبرت من خلالها على امتداد قرون طويلة.

تحليل الوثائق

ما يميز الكتاب أيضًا أنه لا يكتفي بسرد الوقائع التاريخية، وإنما يعتمد على تحليل الوثائق وربطها بظروفها وسياقاتها.

وقد أشار د. عبد الرحمن العرابي، في تقديمه للكتاب، إلى أن د. نويلاتي لا يكتب بأسلوب المؤرخ الذي يصف الأحداث فقط، بل يقرأ دوافعها ويحلل نتائجها، ويستند إلى منهجية علمية في توثيق المعلومات من الكتب والمراجع والدوريات والرسائل العلمية و الوثائق والأرشيفات.

وهذه المنهجية هي التي تمنح الكتاب قيمة تتجاوز حدود التوثيق؛ فالوثيقة عند المؤلف ليست غاية في ذاتها، وإنما نقطة انطلاق لطرح الأسئلة وفهم السياق وتحليل العلاقات بين الأحداث.

ومن هنا يمكن القول إن الكتاب يقدم نموذجًا لكتابة تاريخية تحاول الانتقال من سؤال «ماذا حدث؟» إلى أسئلة أكثر عمقًا من قبيل: لماذا حدث؟ وما الظروف التي ساهمت في حدوثه؟ ومن المستفيد منه؟ وكيف انعكست نتائجه على المجتمع؟ وكيف ارتبط الحدث المحلي بالتحولات الإقليمية والدولية؟

وهذه الأسئلة تجعل من الكتاب دراسة في فلسفة التاريخ بقدر ما هو دراسة في تاريخ الأوبئة، إذ يكشف كيف يمكن لحدث صحي أن يتحول إلى عامل مؤثر في السياسة الدولية، وكيف يمكن للأزمات الصحية أن تكشف طبيعة العلاقات بين القوى والمجتمعات.

جدة.. تتجاوز الجغرافيا

لا يمكن فهم جدة في الكتاب باعتبارها مساحة جغرافية فقط؛ فهي مدينة تشكلت عبر تفاعل الإنسان مع المكان، وعبر حركة التجارة والحج والهجرة والتواصل الحضاري.

فجدة لم تكن مجرد ميناء يستقبل السفن والحجاج والتجار، وإنما كانت فضاءً اجتماعيًا وثقافيًا وروحيًا تلاقت فيه جنسيات وثقافات متعددة، وهو ما ترك أثره على طبيعة المدينة وشخصيتها التاريخية.

ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى تاريخ جدة ليس باعتباره مجرد سجل للماضي، وإنما باعتباره مدخلًا لفهم التحولات التي شهدها المجتمع الحجازي، وكيف تفاعلت المدينة مع الأحداث الكبرى التي شهدتها المنطقة والعالم.

وقد نجح نويلاتي في أكثر من عمل من أعماله في الاقتراب من هذه المساحة، محاولًا تقديم جدة بوصفها مدينة ذات حضور تاريخي وحضاري يتجاوز حدودها الجغرافية.

مشروع علمي متكامل

ولا يمكن النظر إلى كتاب «الأوبئة وصراع النفوذ في جدة» بمعزل عن المشروع العلمي للدكتور محمد أنور نويلاتي، الذي كرس جانبًا مهمًا من إنتاجه لدراسة تاريخ جدة والحجاز.

ويبدو الاهتمام بموقع جدة وتأثيرها واضحًا في عدد من أعماله السابقة، ولا سيما كتاب «جدة والآخرون»، الذي تناول المدينة وعلاقتها بالآخر، وما تمثله من فضاء حضاري تلاقت فيه المؤثرات المحلية والإقليمية والدولية.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى كتاب «الأوبئة وصراع النفوذ في جدة» باعتباره امتدادًا لذلك المشروع البحثي، إذ يواصل المؤلف محاولة قراءة المدينة في سياقها الأوسع، بوصفها فضاءً حضاريًا شكّل نقطة التقاء بين العالم الإسلامي والقوى الدولية.

وفي هذا السياق، يقدم نويلاتي قراءة جديدة للتاريخ المحلي، تربط بين الحدث الداخلي والمتغيرات الإقليمية والدولية، بعيدًا عن السرد التقليدي الذي يفصل بين التاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديني.

مؤرخ جدة

شهدت مدينة جدة خلال العقود الماضية جهودًا مهمة في توثيق تاريخها وتراثها، وكان المؤرخ عبد القدوس الأنصاري من أبرز الأسماء التي ارتبطت بهذا المجال، حيث قدم عددًا من الأعمال التي تناولت تاريخ جدة والحجاز.

غير أن د. محمد أنور نويلاتي حاول أن يضيف إلى هذا المسار التاريخي منهجًا مختلفًا، يقوم على إعادة قراءة الأحداث وتحليل أسبابها ونتائجها وربطها بالسياقات الأوسع.

 

اقرأ أيضا| «الإخوان وتلاعب التاريخ».. قراءة جديدة لماضى العنف

 

وقد أشار بعض الباحثين إلى نويلاتي بوصفه «مؤرخ جدة» أو «صوت جدة»، نتيجة اهتمامه المتواصل بتاريخ المدينة وتناولها في أكثر من عمل.

ويستند هذا التوجه إلى رؤية تعتبر أن تاريخ جدة لا ينبغي أن يبقى أسيرًا للسرد التقليدي، وإنما يجب أن يخضع للبحث والتحليل وإعادة قراءة الوثائق والمصادر.

وفي هذا السياق، يستحضر مشروع نويلاتي المقولة الخلدونية الشهيرة التي ترى أن التاريخ في ظاهره إخبار، وفي باطنه نظر وتحقيق؛ أي أن المؤرخ لا يكتفي بتسجيل ما وقع، وإنما يبحث في أسبابه ودوافعه ونتائجه، ويضع الحدث في سياقه الاجتماعي والسياسي والحضاري.

وهذه الرؤية تبدو حاضرة في كتاب «الأوبئة وصراع النفوذ في جدة»، حيث تتحول قصة المرض من مجرد سرد للأوبئة التي مرت بها المدينة إلى محاولة لفهم ما أحدثته تلك الأوبئة من تغيرات في المجتمع والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية.

 استشراف المستقبل

تأتي أهمية الكتاب أيضًا في توقيت أعادت فيه جائحة كورونا الاهتمام العالمي بتاريخ الأوبئة، وبكيفية تعامل المجتمعات والدول مع الأزمات الصحية الكبرى.

ومن هذه الزاوية، يصبح الرجوع إلى التاريخ أكثر من مجرد استعادة للماضي، إذ يمكن أن يساعد في فهم الحاضر واستشراف المستقبل، خصوصًا أن الأزمات الصحية كثيرًا ما تترك آثارًا تتجاوز المجال الطبي لتطال الاقتصاد والسياسة والمجتمع والعلاقات الدولية.

والكتاب يفتح الباب أمام دراسة التاريخ الصحي من منظور أكثر شمولًا، يربط بين الطب والسياسة، وبين الصحة العامة والعلاقات الدولية، وبين حركة التجارة وأمن البحر الأحمر، وبين الحج والتفاعلات الدولية التي نشأت حوله.

كما يقدم نموذجًا لكتابة تاريخية حديثة تجعل من الوثيقة نقطة انطلاق للتحليل، لا نهاية للبحث، وتتعامل مع الحدث التاريخي باعتباره جزءًا من شبكة واسعة من العلاقات والتفاعلات.

ذاكرة مدينة 

تشهد مدينة جدة في الوقت الراهن حراكًا ثقافيًا وتراثيًا مهمًا تقوده الهيئات والمؤسسات الحكومية، في إطار الاهتمام بإحياء التراث الثقافي والحفاظ على المباني التاريخية والمناطق القديمة التي تعود إلى مئات السنين.

وبالتوازي مع هذا الجهد الرسمي، يأتي دور المثقفين والأكاديميين والباحثين السعوديين في إعادة اكتشاف التاريخ الثقافي والإنساني للمدينة، وتقديمه للأجيال الجديدة في صورة دراسات وأبحاث وكتب تسهم في حفظ الذاكرة الوطنية.

وخلال السنوات الأخيرة، برزت أعمال د. محمد أنور نويلاتي ضمن هذا السياق، وتميزت بمحاولة الاقتراب من الموضوعات التاريخية الشائكة وتحليل أسباب الأحداث والعوامل التي ساهمت في تشكيلها، في إطار من الانضباط التاريخي والمنهجي.

ولا تبدو جدة في مشروع نويلاتي مدينة شُيدت بالحجارة والمباني والموانئ فقط، وإنما مدينة تشكلت أيضًا بذاكرة أهلها، وتجارتها، وحياتها الروحية، وأزماتها، وعلاقاتها الدولية، وما شهدته من محن وانتصارات وإنجازات.

ومن ثم فإن دراسة تاريخ جدة تصبح في جانب منها دراسة لتاريخ الإنسان والمجتمع، وكيف تشكلا تحت تأثير الأحداث الكبرى التي مرت بها المدينة والمنطقة.

إضافة إلى المكتبة العربية

يثبت د. محمد أنور نويلاتي، من خلال هذا العمل، أن المؤرخ الحقيقي لا يروي ما حدث فقط، وإنما يحاول تفسير لماذا حدث، وكيف أثر في مجرى التاريخ.

وتكمن أهمية «الأوبئة وصراع النفوذ في جدة» في أنه يجمع بين التاريخ الصحي والتاريخ السياسي والاجتماعي، ويضع جدة في قلب شبكة من العلاقات الدولية التي تشكلت حول الحجاز والبحر الأحمر والحج والتجارة.

كما يفتح الكتاب مجالًا أمام الباحثين لإعادة النظر في العلاقة بين الأوبئة والتحولات السياسية، وبين الصحة العامة والتنافس الدولي، وهي علاقة تبدو أكثر أهمية في عالم ما زالت الأزمات الصحية قادرة فيه على التأثير في حركة الدول والمجتمعات والاقتصادات.

ومن خلال هذا المنظور، لا يقدم الكتاب حكاية عن المرض فحسب، ولا تاريخًا للأوبئة في جدة فقط، وإنما يقدم قراءة في مدينة كانت على مدى قرون نقطة اتصال بين أجزاء واسعة من العالم الإسلامي والعالم الخارجي.

ولعل أهم ما يخرج به القارئ من هذه القراءة أن تاريخ المدن الإسلامية الكبرى لا يمكن اختزاله في تواريخ بنائها أو أسماء حكامها أو الأحداث التي مرت بها، وإنما يجب النظر إليها باعتبارها كائنات حضارية تشكلت عبر الإنسان والمكان والدين والتجارة والسياسة والثقافة.

وفي هذا الإطار، تأتي جدة بوصفها نموذجًا لمدينة إسلامية استطاعت أن تحتفظ بحضورها التاريخي والحضاري، وأن تتحول من ميناء يستقبل الحجاج والتجار إلى مركز حضاري واقتصادي وثقافي ذي حضور إقليمي ودولي.

ومن هنا يمثل كتاب «الأوبئة وصراع النفوذ في جدة.. حكاية المرض والسياسة» إضافة علمية مهمة إلى المكتبة العربية، وإلى الدراسات المعنية بتاريخ الحجاز والبحر الأحمر والتاريخ الصحي والسياسي، كما يؤكد مكانة صاحبه بوصفه أحد الباحثين الجادين في التاريخ المحلي الذين يحاولون قراءة العالم من نافذة مدينة، وقراءة المدينة من خلال علاقتها بالعالم.

Download Audiobooks