مقالي بالقدس العربي: حواء بين الأساطير والأديان
إبراهيم عبد المجيد
هذا كتاب رائع للكاتب والمؤرخ السعودي محمد أنور مسلم نويلاتي. قرأت له من قبل كتاب “جدة والآخرون” وكتبت عنه هنا منذ أشهر، والذي به إشارة إلى مقام أمنا حواء بجدة. هنا دراسة للمقام عبر الزمن، وأسطورة أمنا حواء وقصة الخلق في العالم بتفصيل رائع. الكتاب عنوانه ” جدة وأُمّنا حواء ” وعنوان فرعي: عبق المكان وعمق الزمان – قراءة متجددة” صادر عن “دار جداول”. يبدأه بالحديث عن منهج الكتاب، ثم ما جرى من تشكيل لمنطقة العالم القديم، فحملت اسما جديدا هو الشرق الأوسط، تمتد خارطته من مصر غربا إلى إيران شرقا، ومن تركيا شمالا إلى بحر العرب جنوبا، فجمعت المنطقة بمسماها الجديد أعراقا مختلفة، وحضارات متنوعة، وأُريد لها أن تكون ساحة خصبة، للصراعات العسكرية والحروب الدامية، وأثر ذلك السلبي على أهالي المنطقة، ودور القوى الأجنبية في ذلك، وعلى رأسها الصهيونية العالمية مجسدة في إسرائيل. بينها يأتي الحديث عن أمنا حواء أم كل حي، التي كان لها قبر في جدة، ومن ثم ستكون الرحلة إلى القبر وتاريخه وما جرى له.
من أهم أسباب الكتاب عمق ارتباط الكاتب الوجداني بموضوعه، حيث قضى طفولته وصباه مجاورا لمقبرة أمنا حواء بحي العمارية في جدة. كيف شكلت مقبرة أمنا حواء الفراغ الكبير المجاور لمنزله، وهو فتى لا يفصلها عنه غير أمتار معدودة.
كيف تشكلت هوية المكان. وشهرة منطقة العمارية التي بها المقام، ونهضتها في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، فظهرت بها ادارت ومكاتب وزارات وصحف يذكرها، كيف استقطبت أبناء الجاليات المختلفة من الحضارمة إلى المصريين. ذكرياته مع أسرته ومن عمل منهم في الإدارات المختلفة، وتعلمه قيادة الدراجة باتكائه على سور مقابر أمنا حواء. حديث عن السور وحياته معه، والمواكب الحزينة إلى منطقة المقابر خلفه، ولعب الكرة أمامه، وكيف يشهد المقام حراكا كبيرا اثناء الحج والعمرة، من حجاج البر أو البحر الذين يصلون إلى جدة. كيف صارت جدة مدينة مكان نزول حواء، وما قيل في ذلك عبر التاريخ والمخيال الشعبي.
مقام أمنا حواء وكيف كان خارج مدينة جدة قبل الإسلام، باعتباره مقاما مقدسا، دون إشارة إلى أمنا حواء، وجاءت الإشارة بعد الإسلام بقرون، بأن المكان هي منزل أمنا حواء قبل أن تتوجه لملاقاة سيدنا آدم. كيف تم توثيق ذلك وتأكيده في العصر العثماني.
كيف تحول مقامها إلى قبر، وما فعلته الدولة الفاطمية من تحول ثقافي ومذهبي في العالم الإسلامي، وأثرها الروحي الكبير في الممارسات التعبدية، وبخاصة ما يتعلق بزيارة القبور وهيئاتها. هم الذين ابتدعوا على المستوي الشعبي ما يسمي بالمشهد الذي يعني المسجد المدفني، وهو المكان الذي خصص كمدافن للأشخاص ذوي المكانة الروحية ليكون مزارا، كما ابتدعوا الرؤيا، وهو مشهد افتراضي أو رمزي لأحد الأولياء دون وجود جثمان له، ويكون سبب ذلك رؤيا منامية تطلب بناء ضريح ومسجد لأحد الصالحين. أمثلة على ذلك مثل ضريح رأس الحسين، وضريح السيدة نفيسة، وضريح السيدة عائشة. أثر الفاطميين على الحجاز في ذلك، ثم المماليك الذين أيضا روجوا للقبور، وخصصوا لزيارتها أياما معينة.
تمشي الأسطورة في حالة من العولمة مع الرحالة والحاضرين من كل الدنيا. وبعض الساخرين من المقام أيضا، مثل ما قالته السيدة سدرة إقبال على شاه، في زيارتها له في مطلع القرن العشرين، أن حجم القبر لحواء كان ثمانية أمتار، لكنه تمدد مع الزمن، وهذا يرجع إلى أن المسلمين يحبون المرأة الضخمة! أو يحيى حقي اثناء عمله بالقنصلية المصرية في جدة، وغيرهما.
لقد تم هدم مقام أمنا حواء عام 1926 بأمر من السلطات تحت حكم الملك عبد العزيز، بعد فتوي طلبها الملك عبد العزيز من الأزهر في مصر، في الرأي الشرعي في التمسح في القبور، فجاءت الفتوي بتحريم الطواف بالقبور وغيرها من المظاهر، والاكتفاء بالدعاء الشرعي. لكن استمر حضور الزوار للمقبرة حتى عام 1930 فأغلقت السلطات المقام تماما، وقامت بالبناء حوله، لكن مع السنين استمرت الزيارة.
نعود إلى حواء بين اسطورة التكوين ومسألة الخلق.
قصة الخلق في ديانات الشرق الأقصى الهندية والصينية واليابانية والفارسية. كيف ظهرت قصة آدم وحواء في سفر التكوين بالتوراة ثم الإنجيل بصورة واحدة، لكن جاء القرآن بصورة مختلفة. يبحث هذه الاختلافات خاصة أن مكانة المرأة في الأديان السماوية تأثرت بموقع حواء في قصة الخلق، وتأرجحت بين تحميلها وزر الخطيئة، أو وصفها بالكمال. في اليهودية تم خلقها من ضلع آدم وكذلك المسيحية، أما في القرآن فخلقها وآدم جاء من نفس واحدة. كيف أخذت حواء اسمها في اليهودية والنصرانية، بينما لا يوجد نص في القرآن باسم حواء زوجة آدم. هناك حديث واحد ورد في الصحيحين جاء فيه اسم حواء، يناقشه وغيره من الأحاديث المصنفة إنها من الإسرائيليات، التي لم تلقَ قبولا من المحدثين. يستمر في الحديث عن عمرها ووفاتها، ومكان دفنها الذي لا يوجد نص صريح في الأديان عنه، بل أن الأمر جاء من الروايات المرسلة. يمتد الحديث إلى الأنثى بين الخطيئة والكمال. الخطيئة في الديانة اليهودية وثالوثها، إبليس وحواء والحيّة التي جعلتها تأكل من شجرة محرّمة بالجنة، وكيف اقنعت المرأة “حواء” آدم أن يفعل ذلك. يستمر مع الخطيئة في المسيحية فصارت المرأة مرتكزا للفتنة وأساسها، وكيف كان الخروج من ذلك مع الزمن، سواء في اليهودية أو المسيحية. في الإسلام انتهى اثمهما بالتوبة ويستشهد بالآيات في ذلك، كما لا يوجد ذكر للحية في النص القرآني. لقد اختار الإسلام أن يصف المرأة بالكمال، ومساواتها بالرجل في الثواب والعقاب.
ننتقل إلى الأنثى بين الألوهية والقداسة وعبادة الربة الأنثى. كيف كانت عبادة الأنثى في التاريخ. منها هيرا وغيرها عند الإغريق، وسميراميس في العقيدة البابلية، وإيزيس في مصر وغيرهن. نأتي إلى بنات الله من الآلهة عند الشعوب السامية، ممثلا في تجسيد الكواكب والنجوم بشكلها الأنثوي، مثل عشتار إلهة الحب والجمال، التي كانت بدايتها عن السومريين وقدسها كذلك العرب، وفي اليمن كانت إلهة نجمة الصباح الزهرة. أسماء للآلهة من الإناث عند العرب، مثل نائلة التي كانت من أعظم أصنام قريش، واللات والعزى، والغرانيق العلى، وهي الثالوث المكي لبنات الله، وجاء اسمها من طائر مائي أبيض اللون، أو طائر البلشون. كذلك من الآلهة المرتبطة بالنجوم والكواكب عند العرب قبل الإسلام، الطارق كوكب الصباح، وتنسب إليه جميلات العرب، ومن هنا جاء قول هند بنت عتبة يوم غزوة أحد، وهي تحض على الحرب ضد النبي” نحن بنات طارق لا ننثني لوامق نمشي على النمارق، المسك في المفارق” وأيضا الآلهة المدمِّرة من النساء.
ننتقل إلى الأنثى كما رآها التصوف، ورؤية المتصوفة لأمنا حواء. مفهوم الأنثى في أدب المتصوفة الذي أضفي صبغة القداسة على الأنثى، ومكان مدينة جدة في العرف الصوفي، مع ذكر أبرز طرق التصوف، وأشهر التكايا والزوايا والمراقد بها. كيف ارتبط التصوف بمدينة جدة باعتبارها بوابة الحرم الشريف، ومرتبطة بفكرة التطهر. أصل التصوف وصوره في الهند وفارس وغيرها، وكيف عند المتصوفة تكون الأحاديث النبوية والقرآن مصدرا أساسيا في التفسير الباطني للآيات. اختلاف التصوف مع الفقهاء في نظرتهم للدين أو الدنيا، فالقلب وليس العقل هو مركز المحبة والإدراك الوجداني. المرأة عند المتصوفة هي كل ما هو إلهي، فهي قبس من نور الله، وليست بقميص أو جلباب خارجي. قصة الخلق عند المتصوفة فما أكله آدم من الشجرة كان بتبريره هو نفسه، لأن الشيطان وسوس له ولحواء، وكان مراد الله بذلك أن ينزله إلى الأرض يستخلفه فيها. وتنتهي من الكتاب بعد رحلة علمية وإنسانية للمكان عبر التاريخ، وقصة الخلق في ثقافات العالم والأديان، والآراء المختلفة بين النخبة والعوام، فضلا عن الصور والخرائط، في جهد فائق يستحق كل تقدير.
٢٧ فبراير ٢٠٢٦م




Users Today : 2
Total Users : 2733
Views Today : 2
Total views : 4803